أبي هلال العسكري
189
تصحيح الوجوه والنظائر
الحساب أصل الحساب في العربية الكفاية ، يقال : أحسبني الشيء ، أي : كفاني ، وحسبي اللّه ، أي : كافي اللّه ، وفي القرآن : عَطاءً حِساباً « 1 » [ سورة النبأ آية : 36 ] ، أي : كافيا ، : حَسْبَكَ اللَّهُ [ سورة الأنفال آية : 62 ] ، أي : هو العالم لفعلك ، ومجازاتك عليه . وقيل : الحسيب المقتدر ، وقيل : الحسيب الكافي ، ومعناه كافي إياك اللّه ، وقيل : الحسيب المحاسب كما يقال للمحافظ الحفيظ ، وللمشارب الشريب ، وفي القرآن : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [ سورة الأنفال آية : 64 ] ، أي : كافيك اللّه ، وسمي الحساب حسابا لأنك تكتفي به من وكيلك ومعاملك ، ولا تطلب شيئا بعده . وهو في القرآن على عدة أوجه : الأول : الجزاء ، قال اللّه : إِنْ حِسابُهُمْ إِلَّا عَلى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ [ سورة الشعراء آية : 113 ] ، أي : جزاؤهم ، وقال : إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ [ سورة الغاشية آية :
--> ( 1 ) قال الرازي : قوله : حِساباً فيه وجوه الأول : أن يكون بمعنى كافيا مأخوذ من قولهم : أعطاني ما أحسبني أي ما كفاني ، ومنه قوله : حسبي من سؤالي علمه بحالي ، أي كفاني من سؤالي ، ومنه قوله : فلما حللت به ضمني . . . فأولى جميلا وأعطى حسابا أي أعطى ما كفى والوجه الثاني : أن قوله : حسابا مأخوذ من حسبت الشيء إذا أعددته وقدرته فقوله : عَطاءً حِساباً أي بقدر ما وجب له فيما وعده من الإضعاف ، لأنه تعالى قدر الجزاء على ثلاثة أوجه ، وجه منها على عشرة أضعاف ، ووجه على سبعمائة ضعف ، ووجه على ما لا نهاية له ، كما قال : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ [ الزمر : 10 ] ، الوجه الثالث : وهو قول ابن قتيبة : عَطاءً حِساباً أي كثيرا وأحسبت فلانا أي أكثرت له ، قال الشاعر : ونقفي وليد الحي إن كان جائعا * ونحسبه إن كان ليس بجائع الوجه الرابع : أنه سبحانه يوصل الثواب الذي هو الجزاء إليهم ويوصل التفضل الذي يكون زائدا على الجزء إليهم ، ثم قال : حِساباً ثم يتميز الجزاء عن العطاء حال الحساب الوجه الخامس : أنه تعالى لما ذكر في وعيد أهل النار : جَزاءً وِفاقاً ذكر في وعد أهل الجنة جزاء عطاء حسابا أي راعيت في ثواب أعمالكم الحساب ، لئلا يقع في ثواب أعمالكم بخس ونقصان وتقصير ، واللّه أعلم بمراده . المسألة الرابعة : قرأ ابن قطيب : حسابا بالتشديد على أن الحساب بمعنى المحسب كالدراك بمعنى المدرك ، هكذا ذكره صاحب « الكشاف » . [ مفاتيح الغيب : 16 / 307 ]